03‏/03‏/2008

أغلى سجين في العالم......

شاكر النابلسي
تصريحات حسن نصر الله وزعماء حزب الله قبل وأثناء وبعد حرب 12 يوليو كانت تقول إن هدف خطف الجنديين الإسرائيليين كان لمبادلتهما مع الأسرى اللبنانيين الثلاثة في السجون الإسرائيلية (الأسرى اللبنانيين فقط، كما صرح عشية بدء الحرب نبيه بري). إذن، فهذه المهمة كانت وراء الحرب التي أطلقنا عليها حرب المصائد أو حرب الأفخاخ المتبادلة بين حزب الله وإسرائيل، والتي ستظهر نتائجها ليس الآن، ولكن بعد وقت ليس بالقصير، حيث إن وقف إطلاق النار الآن والهدنة المعلنة التي لم يعترف بها حزب الله رسمياً إلى الآن بلسان أمينه العام، كانت هدنة معركة وليست هدنة حرب، فالمعركة قد انتهت، ولكن الحرب لم تنتهِ بعد، كما نسمع من بعض الرسميين الإسرائيليين.
من هم هؤلاء الأسرى؟
إذن، فطبول الحرب قد دُقَّت في 12يوليو، من أجل هؤلاء الأسرى اللبنانيين. ولكن الوقائع تقول إن هؤلاء الأسرى هم في الحقيقة أسير واحد فقط، وليسوا ثلاثة أسرى. فحزب الله يطالب بثلاثة أسرى هم:
سمير قنطار لبناني درزي، ومعتقل منذ 28 عاماً، أي منذ عام 1979. ومحكوم عليه ثلاث مرات بالسجن المؤبد، إضافة إلى 47 سنة أخرى.
يحيى سكاف ليس لبنانياً، وهو فلسطيني، ومن مواليد مدينة جنين. وإسرائيل تنكر بأن هذا الأسير لديها، كما أن الصليب الأحمر لم يعثر عليه في السجون الإسرائيلية حتى الآن.
سمير نسر ليس لبنانياً، وهو من أم يهودية، ويحمل الجنسية الإسرائيلية،ومعتقل لدى إسرائيل منذ عام 2002، بتهمة التجسس لحساب حزب الله.
إذن، فلا يوجد في السجون الإسرائيلية غير سجين لبناني أصيل واحد، وهو سمير قنطار، الذي يُعد أقدم أسير عربي في السجون الإسرائيلية. وما قاله حزب الله من أن في السجون الإسرائيلية ثلاثة أسرى لبنانيين غير صحيح واقعياً. إذن، فهذه الحرب التي استمرت أكثر من ثلاثين يوماً، ووصفت بأنها أطول الحروب العربية- الإسرائيلية في التاريخ، كانت من أجل إطلاق أسير لبناني واحد، هو سمير قنطار.
سمير قنطار = أكثر من 15 مليار دولار
أعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن"حرب سمير قنطار"في 12 يوليو، قد قضت على جهود إعادة الإعمار التي بدأها لبنان منذ 15 سنة للنهوض ومحو آثار الحرب الأهلية، مقدراً الخسائر بأكثر من 15 مليار دولار أمريكي. وقال الناطق باسم البرنامج جان فابر، إن البرنامج قدّر خسائر لبنان ب 15مليار دولار على الأقل، إن لم يكن أكثر. ولفت التقرير المذكور إلى أن حجم الأضرار كبير إلى حد أنه قضى كلياً على الجهود التي بذلت خلال السنوات ال 15 الأخيرة لإعادة الإعمار والتأهيل.وقال تقرير الأمم المتحدة، إنه يمكننا أن نعتبر أيضاً أنه تم القضاء على كل ما تحقق من تقدم في لبنان، على طريق أهداف الألفية التي حددتها الأمم المتحدة للتنمية.
أثمان أخرى باهظة لتحرير الأسير الذهبي :
يقول جون سفاكياناكيس المستشار المالي الأول في مركز الخليج للأبحاث في تقرير نشره "المركز الدولي لدراسات أمريكا والغرب" في 13/8/2006 ، ما يلي:
إن تكلفة إعادة الإعمار ستزيد من حجم الدين العام الذي وصل في أبريل الماضي إلى نحو 38 ملياراً و600 مليون دولار، أو ما يعادل 183 ? من إجمالي الناتج المحلي، والتي تعتبر من أعلى النسب في العالم. أما نتائج الحرب، فإنها سترفع من ديون الدولة المزمنة إلى معدلات قياسية جديدة. وحتى في حال توفر الأموال الضرورية لإعادة إعمار لبنان، فإن تكلفة خدمات الديون، وضياع الفرصة لاستثمار الأموال المحددة على مشاريع تنموية أخرى سيكونان هائلين.
أضف إلى ذلك، أن استمرار الأزمة في لبنان سيفرز ضغوطاً على الليرة اللبنانية، كما أنه من المحتمل أن يبلغ تراجع الرصيد من العملات الصعبة نحو ملياري دولار. وعلى المدى القصير والمتوسط، فإن نسبة البطالة بين اللبنانيين سترتفع إلى نحو 20% مقارنة ب10% قبل اندلاع الحرب. أما الأمر الأكثر مدعاة للقلق، فهو هجرة اليد العاملة التي لن تعود إلى لبنان بعد انتهاء الحرب،ولا سيما في وقت تشهد فيه دول مجلس التعاون الخليجي ازدهاراً وتطوراً، وتحتاج فيه إلى العمالة الماهرة وغير الماهرة. كما أن نخبة القوى العاملة اللبنانية ستستمر في الهجرة، بحثاً عن مصادر للعيش في مختلف دول العالم.
زيادة على ذلك، فإن دول الخليج، ونتيجة للارتفاع الذي شهدته أسعار النفط، قاموا باستثمار مبالغ طائلة في مشاريع العقارات وسندات الأسهم. وتقدر بعض الأوساط أن شركات سعودية وإماراتية استثمرت نحو 11 مليار دولار، بالإضافة إلى استثمارات لأفراد من الدولتين تقدر بنحو 3 مليارات و600 مليون دولار في العقارات خلال السنوات القليلة الماضية. ومن المحتمل أن تتوقف أو تقلّ كثيراً هذه الاستثمارات بعد الحرب، أو يجري سحب جزء كبير منها.
وتفيد تقارير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الأسكوا) أن25% من العائلات اللبنانية تعيش على أقل من 620 دولاراً في الشهر،وأن 5% من العائلات اللبنانية تعيش في حالة فقر مدقع، والتي تُعرف عادة بأن دخلها يقل عن 300 دولار في الشهر. وقد أدى الاعتداء الإسرائيلي الأخير على لبنان إلى نزوح مئات الآلاف من المدنيين عن منازلهم، وخصوصاً من المناطق الجنوبية إلى مناطق أكثر أمناً في الشمال. لقد أُجبر نحو مليون لبناني على ترك منازلهم، الأمر الذي يعني فقدان الشعور بالأمن والسلامة، وما يرافق ذلك من صعوبات في تأمين المسكن والدواء والغذاء وغيرها من متطلبات الحياة. وإذا استغرقت عملية إعادة البناء للمناطق المنكوبة فترات طويلة من الزمن، فإن من شأن ذلك أن يفاقم التفاوت القائم في التنمية الاقتصادية بين المناطق اللبنانية.
إنها مغامرة غير محسوبة حقاً :
هذه الأرقام الحزينة والحقائق الأليمة الموجعة، لا يعترف بها معظم العرب اليوم، لأن معظم العرب الآن ليسوا أمة أرقام وحقائق. إنهم أمة طبول ومزامير.
إن العقلاء العرب النادرين، الذين قالوا بشجاعة وفروسية وبصيرة، منذ اللحظة الأولى لحرب تحرير سمير قنطار الأسير الذهبي، إن هذه الحرب مغامرة غير محسوبة، كانوا يبصرون بالعقل والبصيرة الطريق المظلم، ونفق التيه،والكارثة الماحقة القادمة. وها هي الأرقام الإحصائية والحقائق على الأرض، تتحدث اليوم عن هذا الطريق المظلم، والكارثة الماحقة.
لقد أثبتت الأيام القليلة التي تلت نشوب الحرب، بأن هذه الحرب كانت حقاً مغامرة غير محسوبة. وها هو نصر الله اليوم وأخيراً، وبعد وقوع الفأس بالرأس، يعترف بذلك صراحة، في حديثه ل "تلفزيون الجديد" في 27/8/2006 بقوله: "لم نتوقع ولو واحداً بالمئة أن عملية الأسر ستؤدي إلى حرب بهذه السعة وبهذا الحجم،لأنه وبتاريخ الحروب هذا لم يحصل.. لو علمت أن عملية الأسر كانت ستقود إلى هذه النتيجة لما قمنا بها قطعا". وفات على الذين هللوا ورقصوا وصفقوا لهذه الحرب بدافع من جرحهم النرجسي الفلسطيني الكبير والعميق، الذي يعانون منه منذ 1948 إلى الآن، أن الجراح لا تعالج بمزيد من الجراح، وأن الكوارث لا تعالج بمزيد من الكوارث،وإنما بمزيد من الصبر، والتبصّر، والحكمة، وإعمال العقل.